Monday, February 22, 2010

مضجع العروووووس

مضجع العروسخرج العريس و العروس من الهيكل يتبعهما المهنـّـئون الفارحون و تتقدمهما الشموع و المصابيح ، و يسير حولهما الفتيان المترنـّمون بالأهازيج و الصبايا المنشدات أغاني السرور .بلغ الموكب منزل العريس المزدان بالرياش الثمينة و الأواني المتلمـّعة و الرياحين العطرة ، فاعتلى العروسان مقعداً مرتفعاً و جلس المدعوون على الطنافس الحريريّة و الكراسي المخمليـّة ، حتى غصّت تلك القاعة الواسعة بأشكال الناس . و سعى الخدّام بآنية الشراب فتصاعدت رنـّات الكؤوس متآلفة مع هتاف الغبطة ، ثمّ جاء الموسيقيّون و جلسوا يسكرون النفوس بأنفاسهم السحريّة ويبطنون الصدور بألحانهم المنسوجة مع همس أوتار العود و تنهيدات الناي و حفيف الدفوف . ثمّ قامت الصبايا يرقصن يتمايلن بقامات تلاحق مقاطع اللحن مثلما تتابع الأغصان الليـّـنة مجاري هبوب النسيم و تنثني طيات أثوابهنّ الناعمة كأنـّها سحب بيضاء يداعبها شعاع القمر . فشخصت إليهنّ الأبصار و سجدت لهنّ الرؤوس و عانقتهنّ أرواح الفتيان و تفطرت لجمالهنّ مرائر الشيوخ . ثمّ مال الجميع يستزيدون من الشراب و يغمرون ميولهم بالخمور . فنمت الحركة و علت الأصوات و سادت الحريّة و توارت الرزانة و تضعضعت الأدمغة و تلهّبت النفوس و اضطربت القلوب و أصبح ذلك المنزل بكلّ ما فيه كقيثارة مقطـّعة الأوتار في يد جنيـّة غير منظورة تضرب عليها بعنف و تولد منها أنغاماً جامعة بين التناسق و الالتباس : فهنا فتى يبوح بسرائر حبّه لفتاة أولاها الجمال تيهاً و دلالاً . و هناك كهل يجرع الكأس وراء الكأس و يطلب بلجاجة إلى المنشدين إعادة أغنية ذكرته بأيام صبابته . في هذه القرنة امرأة تغامز بأطراف أجفانها رجلاً ينظر بمودّة إلى سواها . و في تلك الزاوية سيدة قد بيّض الشيب مفرقها تنظر مبتسمة نحو الصبايا لتنتقي منهنّ عروسة لوحيدها . و بجانب تلك النافذة زوجة قد اتخذت سكر حليلها فرصة فاقتربت من خليلها ، و جميعهم غارقون في بحر من الخمر و الغزل مستسلمون إلى تيار من الغبطة و السرور متناسون حوادث الأمس منصرفون عن مآتي الغد منعكفون على استثمار دقائق الحاضر .كان يجري كلّ ذلك و العروس الجميلة تنظر بعينين كئيبتين إلى هذا المشهد مثلما ينظر الأسير اليائس إلى جدران سجنه السوداء . و تتلفـّـت بين الآونة و الأخرى نحو زاوية من زوايا تلك القاعة حيث جلس فتى في العشرين من عمره منفرداً عن الناس المغتبطين انفراد الطائر الجريح عن سربه ، مبكـّلا ً زنديه على صدره كأنه يحول بهما بين قلبه و الفرار ، محدقاً إلى شيء غير منظور في فضاء تلك القاعة كأنّ ذاته المعنويّة قد انفصلت عن ذاته الحسيّة و سبحت في الخلاء متبعة أشباح الدجى .انتصف الليل و تعاظمت غبطة الجماعة حتى صارت ثورة ، و اختمرت أدمغتهم حتى تلجلجت ألسنتهم ، فقام العريس من مكانه و هو كهل خشن المظاهر وقد تغلـّـب السكر على حواسه و طاف يتكلـّـف اللطف و الرقة بين الناس . في تلك الدقيقة أومأت العروس إلى صبية أن تقترب منها . فاقتربت و جلست بجانبها . و بعد أن تلفـّـتت العروس إلى كلّ ناحية تلفت جازع يريد أن يفشي سرّاً خفيّـاً هائلاً لزّت إلى الصبية و همست في أذنها هذه الكلمات بصوت مرتعش : " أستحلفكِ يا رفيقتي بالعواطف التي ضمّت نفسينا مذ كنـّا صغيرتين . أستحلفكِ بكلّ ما هو عزيز لديكِ في هذه الحياة . أستحلفكِ بمخبآتِ صدركِ . أستحلفكِ بالحبّ الذي يلامس أرواحنا و يعلها شعاعاً . أستحلفكِ بأفراح قلبكِ و أوجاع قلبي أن تذهبي الآن إلى سليم و تطلبي إليه أن ينزل خفية إلى الحديقة و ينتظرني هناك بين أشجار الصفصاف . تضرّعي إليه عني يا سوسان حتى يجيب طلبي . ذكّريه بالأيّام الغابرة ، توسّلي إليه باسم الحبّ ، قولي له هي تعسة عمياء ، قولي له هي مائتة تريد أن تفتح قلبها أمامك قبل أن يكتنفها الظلام ، قولي له هي هالكة شقـيّـة تريد أن تعترف بذنوبها و تلتمس عفوك ، أسرعي إليه و ابتهلي عني أمامه و لا تخافي مراقبة هؤلاء الخنازير لأن الخمور قد سدّت آذانهم و أعمت بصائرهم .فقامت سوسان من جانب العروس و جلست بقرب سليم الكئيب المنفرد وحده و أخذت تستعطفه هامسة في أذنه كلمات رفيقتها و دلائل الودّ و الإخلاص بادية على ملامحها و هو منحني الرأس يسمع و لا يجيب ببنت شفة . حتى إذا ما انتهت من كلامها نظر إليها نظرة ظامئ يرى الكأس في قبّة الفلك ، و بصوت منخفض تخاله آتياً من أعماق الأرض أجابها قائلاً : " سأنتظرها في الحديقة بين أشجار الصفصاف". قال هذه الكلمات قام من مكانه و خرج إلى الحديقة .